رئيس مجلس الإدارة : ياسر رزق | رئيس التحرير : محمد البهنساوى

القاهرة - الأحد، 21 يناير 2018 08:47 ص

رئيس مجلس الإدارة
ياسر رزق
رئيس التحرير
محمد البهنساوى

ناصر فى مخيلة المصريين الثائر.. المثقف.. الشهيد.. الوطنى

  • ريهاب عبدالوهاب

  • السبت، 13 يناير 2018 - 01:10 ص

    الرئيس الراحل جمال عبدالناصر
    الرئيس الراحل جمال عبدالناصر

    يتمتع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بمكانة متفردة فى مخيلة الشعب المصرى، جعلت منه، ليس مجرد رئيس فى تاريخها الحديث، ولكن ايقونة ورمز للعديد من المعانى الخالدة فى الذاكرة المصرية، الكرامة، الاستقلالية، رفض الهزيمة، العدالة الاجتماعية، وغيرها من المعانى. كل هذا حوّل الزعيم «ناصر» الى الغائب الحاضر فى كل الأحداث التى مرت بها مصر، وسيظل هكذا لعقود قادمة.
    هذا التفرد الذى يتمتع به الرئيس الراحل جمال عبدالناصر فى ذاكرة المصريين والذى حوله من شخص الى رمز واستعارة، ناقشه الدكتور عمر خليفة «الاردنى الجنسية» فى كتابه «ناصر فى المخيلة المصرية» Nasser in the Egyptian Imaginary فى نسخته الحديثة الصادرة فى 2017، وهو موضوع رسالة الدكتوراة الخاصة به والتى قدمها باللغة الانجليزية، لجامعة كولومبيا الامريكية، وكانت تحت اشراف الدكتورة نهى رضوان.
    فهذا المشهد يصور ليس فقط حب ناصر الذى ظل قائماً فى قلوب المصريين وامتد حتى لابنائه، ولكنه يعكس كيف ان المصريين كانوا يفصلون بشكل غريب بين «ناصر» الزعيم والبطل الشعبى، وبين نظام الحكم الذى انشأه.
    ووفقاً لأطروحة الدكتور خليفة، لم يغب ناصر ابداً عن أذهان المصريين، رغم مرور ما يقرب من 40 عاما على رحيله، بل ظل يحتل مساحة لا تهتز فى مخيلتهم عبر فترات كل من حكموا بعده من السادات، مروراً بمبارك وحتى العهد الحالى. ظل ناصر دائماً المرجعية التى يقيس عليها المصريون الواقع وتحولاته.. فحتى يومنا هذا لازالت صور ناصر ترفع، وما تركه من إرث سياسى واجتماعى يثير الجدل، وسيرته حاضرة فى الأوساط السياسية، داخل مصر وخارجها، فهو من الزعماء العرب القلائل على مدار القرن الماضى التى كان له تأثير يتجاوز الحدود الجغرافية لبلاده. ومن هنا اكتسب ناصر مكانة حولتّه من تاريخ الى ذكرى تبقى وتستمر، ونقلته من دهاليز عالم السياسة الى رحابة الأدب والفن، باختصار تحوّل ناصر من شخصية حقيقية الى «رمز»، سواء عند من احبه ورأى فيه رائدا للحرية والعدالة الاجتماعية او اختلف معه واعتبره ديكتاتورا لا يرحم.
    ناصر فى الأدب والفن المصرى
    ويرصد د. خليفة انعكاس صورة ناصر فى الأدب والفن المصرى على مر السنين، موضحاً انه مر بمراحل مختلفة من عام 1952 وحتى يومنا هذا. ففى الاربع سنوات التى سبقت حرب 56 كان هناك نقد معتدل للرئيس المصرى يتضمن بعض القلق حول الاجراءات القمعية التى اٌتخذت فى عهده، مع الاقرار فى نفس الوقت بنواياه الحسنة وجهوده المخلصة لتحسين أوضاع البلاد.
    اما الفترة من 1956 وحتى 1967، فشهدت تمجيدا لشخص الرئيس ناصر، فهو رمز الاستقلال، ومكافحة الاستعمار والعدالة الاجتماعية. وحتى لو ترأس نظاما موصوما بالفساد ويعتمد أساليب التعذيب والاضطهاد كان المصريون يفصلون عبدالناصر عن نظام حكمه، ولهذا عادة ما يتم تصويره اما على غير دراية بما يحدث او معارض له. هذه الفترة الطويلة من الايمان بعبد الناصر، قطعتها نكسة 67 والتى احدثت شقاقاً بين الكتّاب وصنّاع الافلام حول مدى مسئولية ناصر عن هذه الهزيمة النكراء.
    تلا ذلك 3 سنوات من التحرر من سحر وتعويذة عبدالناصر. ووصلت الصورة السلبية فى تقديم عبدالناصر ذروتها مع عصر السادات من 1970 وحتى 1981. لكن حتى الافلام التى تم تصويرها فى الفترة، لم يتم انتقاد ناصر بشكل جارح.
    كما استعرض خليفة الأدبيات التى تناولت شخصية ناصر كمُخاطَب بما ينم عن إيمان به، وصورة ناصر الخيالية فى الرواية العربية، مع الإشارة إلى 'تجليات' جمال الغيطاني، وإعادة إحياء ناصر للتعليق على أحداث الواقع، إضافة إلى استحضار ناصر لا كذات ولكن كموضوع، للأب وللذكر، فى الأدب وفى السينما والتليفزيون.. ويفسر الدكتور خليفة هذا الاستحضار الدائم لشخصية «ناصر» بأنه نوع من «الحنين» الذى لا يموت والذى يثير التعجب بالنظر الى ما شهده عصره من نكسة عسكرية كبرى هى نكسة 67، وكذلك بالنظر الى حملة التشويه التى تعرض لها فى الفترة اللاحقة لرحيله.
    وقد أشار خليفة إلى هيمنة لقطة خطاب التنحى فى السينما، إلى درجة أنها حضرت فى السينما أكثر من جنازته هو نفسه أو لحظة عبور القناة، كما أشار إلى ضرورة تحليل وتتبع كيف تعاملت السينما المصرية مع هذا الموضوع، ملاحظا نزع خطاب التنحى من سياقه ووضعه أحيانا فى أفلام لا علاقة لها بالحرب أحيانا، مع الإشارة إلى فيلم «العصفور» ليوسف شاهين، أول فيلم يحلل النكسة ويسلط الضوء على عواقبها، وفيلم «احنا بتوع الأتوبيس» لحسين كمال يحضر الخطاب صوتا فقط، ليسلط الضوء على حزن حتى أولئك الذين فى السجن.
    لقد ظل ناصر شخصية خصبة لمختلف التفسيرات للكتّاب وصناع الافلام، كلٌ يقدمه بالصورة التى يراها فهو المثقف والشهيد والوطنى والثائر.. الى اخره. وتحولت شخصية «ناصر» من سيرة رئيس الى وسيلة يتم من خلالها توصيل الرسائل السياسية الخاصة للجماهير.
    الحنين إلى الماضى
    عودة الحنين إلى ناصر التى سادت فى العقدين الاخيرين، وفقاً لدكتور خليفة فى أطروحته، كاشفة لوضع المصريين الذين لازالوا يحنون لنفس المثٌل والاحلام والتطلعات التى كان يتطلع ناصر لتحقيقها. ومن هنا كان «ناصر» حاضراً فى يناير 2011، ولكن تظل أقوى صور استحضار روح ناصر متجلية فى صعود الرئيس عبدالفتاح السيسى للحكم.. عادت روح ناصر لتهيمن على حياة المصريين مرة اخرى، حيث امتلأت الشوارع بصور الزعيمين جنباً الى جنب. وجاهر العديد من المثقفين واهل الفكر برؤيتهم للسيسى كامتداد لعبدالناصر. كذلك فإن اى بحث على جوجل عن مقارنة بين الرئيسين سيفرز لك عشرات المقالات بالعربية والانجليزية. والسيسى نفسه لم يرفض تلك المقارنة.. ويختتم الدكتور خليفة بالاشارة الى ان لا زالت مستمرة حتى يومنا هذا تدفعنا للتأمل فى المكانة التى بلغها هذا الزعيم الراحل فى مخيلة المصريين.